عبد الوهاب الشعراني

86

تنبيه المغترين

رقة القلوب ( ومن أخلاقهم رضي اللّه تعالى عنهم ) : رقة قلوبهم وكثرة بكائهم على تفريطهم في حقوق اللّه تعالى لعل اللّه يرحمهم وكان على هذا المقام أبو بكر الصديق رضي اللّه عنه وعمر بن الخطاب وأبو الدرداء رضي اللّه عنهم ، وكان لعمر بن الخطاب رضي اللّه عنه خطان أسودان في وجهه من مجرى الدموع ، وكذلك عبد اللّه بن عباس رضي اللّه عنهما ، وكذلك كان لعمر بن عبد العزيز ويزيد الرقاشي والفضيل بن عياض وبشر الحافي ومعروف الكرخي رضي اللّه عنهم ، وكان يزيد الرقاشي رحمه اللّه إذا دخل بيته يبكي وإذا قدم إليه الطعام بكى وإذا جلس إليه إخوانه بكى وأبكاهم ويقول هل خلقت النار إلا لمثلي ، وكان عمر بن عبد العزيز رحمه اللّه طول ليله يبكي ويجول في داره ويصرخ إلى الصباح وكثيرا ما يقع مغشيا عليه ، وكان يصلي في سطح غرفته فيبكي في سجوده حتى تجري دموعه وتتقاطر من الميزاب على النائمين تحته حتى كانوا يظنون أنها سحابة مارة فأمطرت عليهم . وقد كانت رابعة العدوية رحمة اللّه عليها تبكي وترش دمعها حولها حتى كان يظن الداخل إليها أن ذلك من ماء الوضوء ، وكان ابن السماك رحمه اللّه تعالى إذا حمى مجلسه وتباكى الناس يذكر لهم بكاء داود عليه الصلاة والسلام وبكاء سفيان الثوري وداود الطائي والفضيل بن عياض وعمر بن عبد العزيز وأضرابهم فيستصغر الناس عند ذلك بكاءهم . وكان كعب الأحبار رضي اللّه عنه يقول : لأن أبكي من خشية اللّه حتى تخرج من عيني قطرة واحدة أحب إلي من أن أتصدق بجبل من ذهب وأنا غليظ القلب ، وكان علي رضي اللّه عنه يقول علامة الصالحين صفرة الألوان وعمش العيون وذبول الشفاه أي من كثرة سهرهم وبكائهم وجوعهم ، وكان الفضيل بن عياض رحمه اللّه تعالى يقول : ليس البكاء بكاء العين إنما البكاء بكاء القلب فإن الرجل قد تبكي عيناه وقلبه قاس ، لأن بكاء المنافق يكون من رأسه لا من قلبه ، وكان سفيان الثوري رحمه اللّه تعالى يقول البكاء عشرة أجزاء فواحد منها للّه تعالى والتسعة كلها رياء ، فإذا جاء ذلك الجزء الذي للّه تعالى في السنة مرة واحدة نجا صاحبه من النار إن شاء اللّه تعالى . ( قلت ) لا يكمل مقام الرجل في البكاء إلا ببكاء عينيه وقلبه ، وأما الباكي بأحدهما فناقص لا سيما إن كان له أتباع فإن بكاءه بالقلب لا يذوقه أتباعه فيحتاج إلى بكاء العين